عمران سميح نزال

256

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

المؤمنين في بيوتهم وأسواقهم ومجتمعهم ، وفي كتب اليهود وقصصهم الأذيّة لنبيّهم موسى عليه السلام ، وهي مما يتداولونه في قصصهم ، فجاء التحذير من أن يتأثّر المؤمنون بهم ، فجاء النداء ب " يا أيها الذين آمنوا " أي أنّ الخطاب للمؤمنين وهم المقصودون به ، بأن لا يتعلّموا من يهود أذية نبيهم أو أن يهون عليهم إيذاؤه ولو بالقول الكاذب ، أو بالطعن في علاقاته الزوجية الشرعية . ولذلك بيّنت الآية أن أذية موسى كانت بالقول ، لقول اللّه تعالى فبرّأه اللّه مما قالوا ، وأعقب هذه الآية بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً أي أن مسؤولية طهارة المجتمع المدني لا تتوقّف على الأفعال فقط ، وإنما على الأقوال أيضا ، لأن الأقوال الكاذبة فيها إيذاء للمدينة كلها ، فجاء الأمر بالقول السديد مقرونا بتقوى اللّه تعالى ، ليعلم أن فيه مسؤولية في الدنيا والآخرة ، وأن الكلمة الصادقة والإعلام الصادق هو شعار دولة المؤمنين . وأما الروايات الواردة فلم ترد على أنها سبب نزول لهذه الآية ، وإنما في تفسير معنى أذيّة موسى عليه السلام ، ومن فسّر الآية في معزل عن مناسبتها التنزيلية والموضوعية والتاريخية يصعب عليه معرفة تاريخ نزول هذه الآية ، ويخشى أن يقع فيما نهى اللّه عنه من أذية أنبيائه عليهم السلام ومنهم موسى عليه السلام ، فالأولى الحذر من هذه الروايات وإن كانت في كتب الحديث الصحيحة « 1 » . وقد ورد في إحدى القصص في معنى الأذية شيء يمكن قبوله في مناسبة الآية ، وهو ادّعاء رجل من الأنصار أن رسول صلى اللّه عليه وسلم لم يعدل في قسمة قسمها على المؤمنين ، فهذه قصة تصح أن تكون سبب نزول ، وقد يصح أن يبحث فيها عن تاريخ نزول هذه الآية وهي بحدود العام الخامس من الهجرة ، مما يرجّح قبولها لمناسبتها التاريخية لسورة الأحزاب واللّه أعلم . قال الطبري : ( يقول تعالى ذكره لأصحاب نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يا أيها الذين آمنوا باللّه ورسوله لا تؤذوا رسول اللّه بقول يكرهه منكم ، ولا بفعل لا يحبّه منكم ، ولا تكونوا أمثال الذين آذوا موسى نبيّ اللّه ، فرموه بعيب كذبا وباطلا فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا فيه

--> ( 1 ) انظر : مسلم : صحيح مسلم ، كتاب الفضائل ، رقم ( 4373 ) .